يوميات معلم حكومي : ( معلم حكومي ..وأعظم )

( تمزيق المعلم الحكومي، تمزيق لمؤسسة وزارة التربية والتعليم، وكلكم مسؤولون!!) :
( .... قد يستغرب جدا من يقرأني لو بدأت بالقول، أن وزارة التربية والتعليم الفلسطينية - بكل أمراضها، وترهلها، ومزاجيتها، وحتى فسادها وتخبطها وضيق أفقها - ( حتى لو كانت كل الفرضيات السابقة ظالمة أو عادلة)، فأنه لا بد أن نعترف بأنها هي  
المؤسسة التربوية الوحيدة الحقيقية، التي يعوَل عليها بشكلٍ حقيقي في عملية صناعة الإنسان.
وحين نتحدث عن مؤسسة، فإننا نتحدث بهرم مقلوب، فالمؤسسة التربوية هم المعلمون، وهم صناع الإنسان - والكلام ليس شعاراً-، ففي ظل التخبط وضياع البوصلة واللا تخطيط الذي هو بحد ذاته تخطيط للفشل، يظهر إلى السطح، ما يرمي المعلم الحكومي  
في غياهب ظلمات متعددة، قد تهدد بتقويض المؤسسة التعليمية الوحيدة التي يعول عليها.

فالظلمة الأولى : المؤسسات الغير حكومية ال( أن جي أوز)، تلك التي تقوم بعمليات تدريب للمعلمين والطلبة وغيرهم، ولتلك المؤسسات دعمها اللامحدود من الممولين - وهذا قد يبدو حسن، وتطوير مطلوب للمعلم والتعليم - ولكن، كلها مؤسسات لها أجندتها  
ورؤيتها وأهدافها. والطامة الكبرى أنك تجد بينهم أفراداً لم يقفوا أمام طلبة في يوم من الأيام، لأن يتصوروا حين يتم لهم انتقاء طلاب (مربيين في بيوتهم أصلاً) ومعدين مسبقاً ومنتقين، فيقدمون لهم برنامجا قد يفشل وقد ينجح، فيتصورون بأنهم أكثر نجاحا  
من أي معلم حكومي. في حين أن المعلمين الحكوميين الذي يقفون يوميا امام عينات عشوائية من أبناء الوطن، في بيئات مختلفة، مواجهين كل ذلك الثقل والتخلف والإحباط فوقهم، وكل البؤس حولهم، وينقلون أولادهم من حصة إلى حصة ومن صف إلى صف  
بنجاح رغم كل ما يواجهونه يومياُ. تجدهم يُدانون ( ويُعايرون) بمن يعملون ضمن ظروف " خمسة نجوم " في مؤسسات ( الأن جي أوز)، حتى لو كان ( أشباه معلمي الأن جي أوز في الأصل معلمين فاشليين لم يتمكنوا من الإستمرار، أو لم يتحملوا أغواء  
المال). فتجد معلمي الحكومة - يغزلون برجل حمار- ويعملون ضمن أسوأ الظروف، ذلك لأنهم هم الصنَاع الحقيقيين للإنسان. نعم، أقصد الذين ينتمون للمؤسسة الحكومية المسماة ( وزارة التربية والتعليم).
وأما الظلمة الثانية، فتظهر في الدعوات الغير بريئة إلى الإستثمار في التعليم، والحقيقة، أنها دعوات إستثمار التعليم لصالح جيوب الرأسمال. وهنا أود التنويه إلى ما حدث في أمريكا، فمع أنها أم الرأسمالية، فقد رفضت وزارة تربيتها بشكل قاطع، ملايين  
الدولارات من مطاعم (كيني روجرز وكنتاكي)، مقابل أن يتم تعليق بوستراتهم على الأسوار الخارجية لبعض المدارس، قائليين : أن التعليم مقدس ولا يرضخ للتجارة. أما في بلادنا العظيمة، فترانا نجري مسابقات وامتحانات وانشطة وكتب ومناهج  
ومناسبات وتكريمات أوائل، وحتى جوائز إنجازات تربوية، وحتى مناسبات وطنية .. إلخ، تحت رعاية شركات اتصالات، وقد يكون شركات مفروشات، وغدا تحت رعاية (ممعطة أبو العبد للدجاج الطازج ..!!)، - بمعنى آخر ، قد يُغدق شخص أُمي أو  
جاهل- اعتذر عن التعبير- جوائز تربوية على علماء وتربويين، ويشتري انجازات ومقدرات تحمل اسمه ( فقط لأنه يملك المال..!!). والمقابل بلا شك، دعاية مجانية وتسويق وبيع وعروض لقطاع التربية والمعلمين والطلاب كسوق تجاري عريض..!!...  
وهنا يزداد إحتقار المعلم لنفسه، لأنه لا يملك المال، بل هو مجرد مسنن في مؤسسة التربية والتعليم. بل ويحتار المعلم كيف يزرع قيمة العلم والحياة في نفوس طلابه، وكل شيئ خاضعٌ لقانون السوق( حتى الإنسان) ..!!

وأما الظلمة الثالثة، أن يتدخل كل صاحب شهادة تربوية أو اجتهاد ما، حتى لو كان تماما من خارج اطار وزارة التربية والتعليم، بأن ينتقد تخلف المعلمين، وتخلف التربية، وتخلف القيادات التربوية، ويطرح طروحات نظرية كثيرة، لا تبتعد كثيراً عن  
طروحات الأن جي أوز ولكن بشكل فردي. فما موقف المعلم من قياداته التربوية التي تقيم الدنيا على رأسه ولا تقعدها، إذا ما بادر بمبادرة نقية خالصة من ضمير بدون اتباع القنوات الرسمية، وهو يراهم يفتحون أبوابهم ويشرعونها أمام من هو خارج إطار  
وزارة التربية بشكلٍ مطلق، في حين يغلقونها أمام معلم. فكيف لا يفقد المعلم الثقة بمصداقية القيادة التربوية، وكيف يأخذ خططها وتعليماتها على محمل الجد وهي لا تحمله على محمل الإحترام!؟!.
والظلمة الرابعة، هي التكلف، والشكليات والمزاجيات التي تتحكم بكل رؤيا. فيختفي العمل المؤسساتي الذي يحترم كينونة وزارة التربية كمؤسسة، وتصبح الأقسام محكومة بالعقلية الفردية المزاجية وحتى احيانا بحالة البرانويا..!!
ومع كل ما سبق إللا أنني ( أنا أعتز بكوني معلم حكومي.. ولا أريد أن أكون إلا معلم حكومي.. ولا أرى أي مؤسسة تعليمية ومنظومة تربوية أكثر بقاء ولا رسوخاً ولا حتى مصداقية للوطن والحياة والإنسان منها ....) والتربية كمؤسسة ومنظومة، لن تنقص  
بنقص افراد ولن تزيد بزيادة أفراد، مهما كان مستواهم أو موقعهم أو اعتبارهم .... ولكنني حزنت، لأن زميلات وزملاء لي، الكل يعرف تميزهم وعطائهم، قد اختاروا مغادرة التعليم - ظانين أن لون العشب في الأماكن الأخرى أخضر- وأظنهم رغم ذلك  
مخطئون.... كل المحبة لكل منتمٍ لوزارة التربية والتعليم. )

شبكة البلد - عبد الرحيم زايد - الأحد 4 / 03 / 2018 - 11:23 مساءً     زيارات 688     تعليقات 0
عرض الردود
أضف تعليقك