دور الادارة المدرسة في تعزيز الانتماء الوطني



نظرا لكون العولمة الثقافية تستهدف تفتيت وتشتيت الانتماء الوطني ، فلذا يبرز الدور والمهمة الأساسية التربوية للمدرسة في تعميق هذا الانتماء في نفوس الطلبة.
والانتماء لغة هو الانتساب ، فانتماء الولد إلى أبيه انتسابه إليه واعتزازه به ، والانتماء مأخوذ من النمو والزيادة والكثرة والارتفاع، فالشجر ينمو وكذلك الإنسان. والانتماء أيضا هو الانتساب للأسرة والقبيلة والمدينة والدين والوطن. أما الانتماء الوطني اصطلاحاً فهو الارتباط الحي بالوطن فكراً ومشاعر ووجداناً ، ويعبر الانتماء عن صلة الإنسان بالأرض والوطن والتاريخ والقيم السائدة في المجتمع .
واعتزاز الفرد بانتمائه الوطني يأتي من خلال تفاعله مع معطيات ومتطلبات الوطن وتعميق محبته له والاعتزاز بالانضمام إليه والتضحية من اجله. ومن المعلوم إن مفهوم الانتماء الوطني هو مفهوم فطري ومكتسب في آن واحد ، فهو فطري حيث يولد مع ولادة الإنسان من خلال ارتباطه بوالديه وبالأرض التي ولد فيها ، فنجد الطفل يلتصق أولا بأمه ، ثم أسرته ، ليصل بعدها إلى المدرسة.. الحي.. ثم يتنامى ليرتبط هذا المفهوم بالأرض تلك البقعة الغالية التي تسمى الوطن . فتتجلى للإنسان عندها عمق حبه لمجتمعه وحرصه عليه وتفاعله مع جميع أفراده . وهو مكتسب أيضا لأنه ينمو أكثر من خلال مؤسسات المجتمع المتمثلة في المدرسة والأسرة والمسجد والعمل.
والانتماء فكر وشعور داخلي تجسده الجوارح . وهو روح وسلوك وعاطفة ، كما انه شعور لا يتم بالقوة الجبرية ، ولا بد أن يكون عن قناعة واختيار حر . وهو من أهم الحاجات الإنسانية حيث إن الإنسان كائنا اجتماعيا يحتاج إلى إشباع حاجاته الثقافية لبناء شخصيته وفق معطيات المجتمع الذي يعيش فيه . وهو يتعدد ويتنوع ، ولكنه بكل الأحوال يجب أن لا يتعدى حدود الوطن ، أي بمعنى ، يجب أن لا يقفز الانتماء الفرعي مهما كان ، سواء للأسرة أو القبيلة أو المنطقة أو الفئة على الانتماء للوطن .
وعموما فان الانتماء يتشكل من حلقات متعددة ومتداخلة ، ويتكون من تفاعل وانصهار العديد من المؤثرات الناشئة عن مصادر الانتماءات للعشيرة أو القبيلة التي ينتسب إليها ، أو للقرية أو المدينة التي يقطنها ، أو إلى الجماعة أو الطائفة التي ينتمي إليها ، أو للديانة أو العقيدة التي يؤمن بها. وجميع هذه الحلقات تشكل تماسك هذا النسيج الاجتماعي مهما اختلفت الانتماءات الفرعية . فهنالك ترابط حي بين الانتماء الوطني والتماسك الاجتماعي .
وهكذا يصبح من واجب كل فرد أن ينتمي أولا وأخيرا إلى وطنه دون التمسك بالأفرع الأكثر خصوصية كالانتماء المذهبي أو الديني أو الطائفي أو القبلي أو العائلي أو العرقي . وبالتالي فالانتماء الوطني هو الانتماء الحقيقي للوطن . والذي يعبر فيه الإنسان عن مشاعره تجاهه .
والانتماء الوطني ليس كلمة نرددها ، أو ابتسامة نفتعلها ، أو حسرة نطلقها.. إنما هو شعور وأحاسيس وممارسة يومية نفعلها ونكرسها عن إيمان واقتناع لمصلحة الوطن . وفي ذلك نستشهد بجوارح الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم عندما ترك مكة المكرمة مجبرا بعد أن أخرجه أهلها منه وهي موطنه الحبيب فقال على أبوابها ( ما أطيبك من بلد ، وأحبك إلى ، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما تركتك) صحيح الترمذي حديث ( ٣٩٢٦ ). وهذا أجل وأجمل دليل على حب الإنسان لوطنه وصدق الانتماء إليه.
كما يتطور مفهوم الانتماء الوطني من مجرد الانتساب والشعور، إلى الفعل والسلوك الإجرائي التطبيقي ، وفيه تذوب المصالح الشخصية أو تنخرط في المصلحة الوطنية العليا للمجتمع .
وهنا تبرز مسألة مشاركة المواطن في بناء وطنه بشتى المجالات والأصعدة ، والتي تشعره بقيمة انتماءه للوطن الذي احتضنه واعزه ورباه وكبره ومنحه حقوقه الوطنية، والتي تفرض عليه الواجبات الأساسية كمواطن صالح.
وهنالك العديد من المعوقات التي يمكن أن تسبب الإخفاق في تعزيز الانتماء الوطني لدى النشئ ، ومنها فشل الأسرة أو المدرسة في ذلك ، أو زيادة حدة البطالة والمشاكل الاقتصادية الحادة التي يعاني منها المجتمع ، أو عدم توفر النوادي ومراكز الشباب وقصور الثقافة والملتقيات الثقافية عن استيعاب وترشيد طاقات الشباب . وجميعها تشكل نقاط وهن يمكن أن تستغلها العولمة الثقافية لتحقيق الاختراق السريع والعميق إلى منظومة القيم والمبادئ والتقاليد الاجتماعية السائدة ، فتفضي إلى التأثير السلبي على عمق الانتماء الوطني.
وعموما يمكن تنمية الولاء من خلال النشاطات المدرسية المختلفة المطلوبة كالإذاعة المدرسية لتشمل مواضيع مبرمجة مختلفة وأناشيد وطنية حماسية وكذلك الطابور الصباحي وما ينبغي أن يتضمنه من كلمات ونشاطات تنمي فكرة الولاء . فضلا على الزيارات الميدانية لمواقع وطنية مختلفة كالمصانع والمتاحف.
كما لابد من كشف وتفعيل وتنشيط مواهب الطلبة وإشراكهم ضمن المجالس واللجان والاتحادات الطلابية المختلفة لتعزيز هذا الاتجاه من خلال العمل الجماعي . وكذلك فان الأمر يستدعي الاحتفاء بالمناسبات الوطنية والدينية وإبرازها وتوظيفها لغرس وتأجيج مبدأ الولاء في نفوس الطلبة.

د. ندى جاسم المهداوي




],v hgh]hvm hgl]vsm td ju.d. hghkjlhx hg,'kd