الأم ،بين الوفاء وسوء العاقبة

كلمة الأم لا نستطيع أن نعرفها لغويا ، لانها من الكلمات التي لا حدود لمعانيها، فالأم تعني العطف والحب والحنان والشفقة، و الأم ايضاً تعني

الرحمة والأمان والحماية، هي الشابة المعطاءة ، وهي المراة المكافحة و الجدة الحنونة ، هي الارملة التي تكافح من أجل ابنائها ، و هي

المطلقة التي تتحمل كل الصعاب من أجل أطفالها ...هي الزوجة التي تتحمل الضرب والشتم والاهانة والقسوة من أجل أبنائها هي الأم

العاملة التي تعمل ليلا ونهارا من أجل ان ترى أبناءها أفضل الأبناء ، هي المرأة العربية التي تتشرد وتصبر على الجوع والعطش من أجل

أبنائها ، و هي التي دائما تعطي ولا تاخذ ، تحب ولا تكره ، و هي رحالة في درب عطاء لا نهاية له الا بتوقف القلب ونبضاته حين تفارق

الروح جسدها .

عندما كنا أطفالا كانت أمي امرأة عاملة، تستيقظ عند الفجر ، فتصلي وتدعو الله لنا بالخير ، ثم تضع الطعام في طنجرة الضغط و يبدأ صوت

صافرة الطنجرة يدوي في أرجاء المنزل، كنت اتساءل في سري منزعجا من ذاك الصوت حينها ، لماذا لا تؤخر أمي طهي الطعام الى حين

عودتها من العمل ، وبعد أن تعد لنا الفطور ، كانت تنادي علينا حتى نصحو ..ثم تتابعنا خطوة بخطوة حتى تطمئن على اننا ارتدينا ثيابنا

المدرسية وجهزنا للانطلاق .
حقيقة كانت أمي دقيقة كثيرا في كل شيء ، في موعد الافطار، وفي موعد الخروج من المنزل ، وفي موعد المذاكرة، كل شيء كان عندها

بموعد محكم و منتظم، الى ان كبرنا و تخرجنا وأصبحنا نعمل ونعيل اطفالنا ، أصبحت أشعر الآن انني اعيش حياة مكررة، صورة طبق

الاصل عما اعتدت عليه في صغري ، وكأن الحيات التي عشناها في طفولتنا صبغت في عقولنا ، وطباعنا، وادركت الان أن صوت صافرة

طنجرة الطعام هو أجمل صوت كان في حياتي ، لان امي كانت حريصة جدا أننا عندما نعود الى المنزل نجد طعامنا جاهزا ، حتى لا نشعر

بالجوع، فكانت لا تنام كثيرا حتى تعد لنا الطعام ، أتذكر أنني كنت اراها تنام وهي جالسة وكتابي في يدها ، أو كتاب أخي أو اختي ، فقد

كانت كل حياة أمي مكرسة لأجلنا حتى كبرنا ، وكم أشعر بالاختناق في كثير من الأوقات لهول الضغط الذي اعيشه كأي أم عاملة ،، نستيقظ

في ساعات الصباح الباكر لنعد الطعام ولنجهز الأولاد..ونخرج لعملنا..ونعود لنعمل في البيت..فالشغل لا ينتهي ، وكلما شعرت بالضغط أقول

ربي ارحم والداي كما ربياني صغيرا..لأن الانسان لا يدرك تعبهما الا عندما يخوض ذات التجربة ويشعر بمشقة تلك الحياة و ضغوطاتها ،

حينئذ يمكنه ان يقدر حجم التعب والكبد الذي بذله الوالدين لأجل راحته ، وانا وان تحدثت عن أمي كثيرا او قليلا وهي التي تشبه كل الأمهات

، صدقا لن اوف لها حقها بالحديث ..ووستتوقف الكلمات عاجزة عن التعبير ، لأن عطاء الام لا يتوقف البته

أذكر يوما كنت برفقة أمي في المسجد الأقصى ، و بعد أن أنهت صلاتها كانت تدعو الله بصوت خافت ، ولكني استرقت السمع كي افهم ما

تقول..فإذ بها تدعوا الله بالخير لأختي الكبيرة ولأبنائها ..ثم لاختي الوسطى وأبنائها ثم لي ولأبنائي ، ثم لأخوتي الثلاث وأبنائهم ، لم استطع

أن انظر لأمي كانت عيناي ممتلئة بالدموع ، لأني في تلك اللحظه شعرت بشعور مؤلم تجاه كل من فقد أمه، شعرت كم يتألم الانسان اليتيم
وخاصة يتيم الأم ، لأن هذه الدعوات الصادقة التي تخرج بلا منة ولا فضل تخرح من قلب صادق ومحب، لتطرق أبواب السماء ، فدعاء

الأمهات يتجلى بكل معاني الحب والايمان، فتدعو الام لابنها بالهداية والتوفيق والبر والنجاح ، و تدعو له
ولأبنائه بكل الخير..
قبل فترة وجيزة قلت لأمي أني متعبة كثيرا بسبب دراسة الماجستير ، وخاصة مع اقتراب التوقيت الشتوي ، فبدأت تتوسل الى الله بأن يلغى

التوقيت الشتوي كي لا أعود متأخرة في ايام الشتاء البارد ، ومنذ التحاقي بالدراسة ، وهي تتصل يوميا حتى تسألني كيف عدت؟ ومتى

وصلت؟ او هل عانيت اية مشقة ، حفظت اسئلتها وحفظت موعد الساعة التي تتصل بها .

صدقا أستغرب كثيرا كيف لانسان كان ذكرا او انثى يأتي له قلب ويسيء لأمه!! كيف لانسان ينسى كل الحب والعطف الذي أخذه من

امه؟!! كيف لانسان يسمح ان تهان أمه على يد زوجته او اي شخص!! كيف لانسان يسمح أن توضع امه في بيت المسنين وهو قادر ان

يعتني بها ؟ كيف لانسان يستطيع أن يعيش ويمرح ويسعد وهو عاق وقاطع صلة الرحم ! كيف لانسان يتمنى الموت لأمه لأنها كبرت وهرمت

وشاخت واصبح المرض ينهش جسدها ! كيف لانسان أن يقول ربي خذ أمي وأرحها من تعب الحياة!.

أسأل هذه االأسئلة لأنا أصبحنا نرى العقوق في كل مكان...أصبحنا نسمع قصص مؤذية للنفس البشرية...أصبحنا نرى سوء العاقبة لمن

حضنت وربت وعطفت وشالت وعلمت ، لم أر يوما أما ترمي ابنها المعاق.. ولم اسمع أما تشكي من رائحة ابن لها ،
لم أر يوما اما تضع ابنها في المطبخ كي ينام فيه ، و لم أر يوما أم استطاعت أن تأكل ولها ابنا جائعا...فكيف يا بني البشر تستطيعون أن

ترموا أمهاتكم ؟ كيف تستطيعون أن تشبعوا ولكم أمهات جوعى؟ كيف تستطيعون ألنوم وأمهاتكم في العراء او في بيوت المسنين!! ..لماذا

تجرد الانسان من انسانيته؟، ألم يوصينا الله عز وجل بأمهاتنا ووالدينا ؟ ألم يوصينا الرسول عليه السلام بامهاتنا؟ ، او ألم يتغنى الشعراء

والادباء بالأمهات؟.
وأخيرا أدعو الله العلي العظيم أن يعطي الصحة والعافية لأمهات المسلمين، ولآباء المسلمين ..وأن يرحم كل أم وأب أعطيا وضحيا ثم رحلا

من الدنيا وروحيهما متعلقة ومتشبثة بارواح ابنائهما .
واللهم اجعلنا من البارين بوالدينا ..واجعل أولادنا من البارين فينا، فالبر كالزرع كلما تزرع حبا صالحا ، ستحصد محصولا وفيرا كثيرا .
شبكة البلد - المعلمة : ريم الأحمد - الثلاثاء 30 / 10 / 2018 - 12:05 صباحاً     زيارات 305     تعليقات 0
عرض الردود
أضف تعليقك