استخدام الفن في التعليم - طريقة ابداعية مبتكرة

استخدام الفن في التعليم - طريقة ابداعية مبتكرة


يُعدّ علم التربية والتعليم من أقدم العلوم الإنسانية التي ارتبطت، عبر التاريخ، بحركة تطوّر المجتمعات واستمرارها؛ إذ شكّل التعليم الأداة الرئيسة لضمان انتقال المعرفة والخبرة والقيم من جيل إلى آخر. فالإنسان، بحكم بنيته الفطرية وقدرته الإدراكية، يولد قابلاً للتعلّم واكتساب المعارف بدرجة تفوق كثيرًا أقرب الكائنات الحية إليه من حيث الاستعداد المعرفي. ومنذ البدايات الأولى للحياة الإنسانية أدرك الإنسان قيمة التعليم، فمارسه أولًا بصورة فردية تبدأ بتربية الطفل منذ لحظة ميلاده، ثم أخذ هذا الدور يتسع ويتعقّد حتى تحوّل إلى ممارسة اجتماعية منظَّمة، وظهرت له مهنة وأهل اختصاص ومؤسسات تقوم عليه.

ومع تعاقب العصور، اختلفت طرائق التعليم وتطوّرت أساليبه، وتعدّدت الاتجاهات الفكرية التي تفسّر التعلّم وتقترح سُبل تنظيمه؛ فبرزت مدارس تميل إلى التلقين والحفظ، وأخرى تدعو إلى تجاوز ذلك نحو تنمية المهارات والقدرات، ثم تطوّر الخطاب التربوي ليضمّ بصورة أكثر وضوحًا أبعاد الإبداع والابتكار والتفكير الناقد. وباتت نواتج التعليم—نوعًا وكمًّا وجودةً—من أبرز المؤشرات التي يُقاس بها نجاح أي منهج أو أسلوب تعليمي، إذ لم يعد معيار النجاح محصورًا في مقدار ما يُقدَّم من معلومات، بل في الأثر الذي يتركه التعليم في بناء الكفايات وتحسين الأداء وإحداث التغيير المنشود في سلوك المتعلم وتفكيره.

وفي السياق المعاصر، تزايدت الدعوات إلى إعادة تموضع المتعلم في قلب العملية التعليمية، بوصفه عنصرًا فاعلًا لا متلقيًا سلبيًا؛ وهو ما يستدعي مراعاة الفروق الفردية، والتباينات في الخلفيات الثقافية والاجتماعية، والبيئات التي نشأ فيها المتعلم وتشكّلت عبرها خبراته السابقة، إضافة إلى ميوله ودوافعه وتوقعاته. وقد أصبح هذا المنظور أحد المحددات الجوهرية في اختيار استراتيجيات التدريس وإدارة الموقف الصفي، لأن التعلم الفعّال لا يتحقق بمجرد عرض المحتوى، بل عبر بناء خبرة تعليمية تتسق مع المتعلم وتُشركه في إنتاج المعنى والتفاعل معه.

وعلى الرغم من اتجاهاتٍ تربوية تؤكد أولوية المواد التطبيقية كالرياضيات والفيزياء وسواها من العلوم، وأحيانًا على حساب المجالات الفنية والحسية، فقد ظهرت في المقابل أطروحات قوية تؤكد أن الفنون—بمختلف أشكالها—ليست ترفًا تربويًا، بل مدخلًا أصيلًا لإثراء التعلم وتوسيع فرص المشاركة. فحين يُستثمر الفن ومهارات اللعب المنبثقة من ثقافة المتعلم وبيئته في تنظيم الخبرة التعليمية، يصبح المتعلم أكثر تقبلًا وإقبالًا على المعرفة، وتتنامى مشاركته الفعلية، وتتسع شريحة المتعلمين المنخرطين في التعلّم داخل الصف.

موقف منظمة Urban Arts Partnership

في هذا الإطار، تشير بعض المؤسسات التربوية المعنية بالفنون إلى أن نمط التعليم التقليدي قد يُنتج متعلمين محدودي المشاركة، لا سيما في المدارس الحكومية، حيث يغلب على الخبرة التعليمية أن تكون أحادية الاتجاه، تتحدث إلى الطلبة أكثر مما تستمع إليهم. وقد أكد جديرم جوه (نائب الرئيس التنفيذي لمنظمة Urban Arts Partnership) أن أحد مواطن الخلل الرئيسة يتمثل في ضعف مخاطبة أصوات المتعلمين وخلفياتهم الثقافية بما يليق بها، وأن المطلوب هو الانتقال إلى تعليم يُنصت إلى المتعلم ويعترف بتجاربه ووجهات نظره بوصفها جزءًا من بناء المعرفة، لا عنصرًا هامشيًا خارجها.

مبادرة المعلمة عبير حامد

وتتجلّى تطبيقات هذا التوجه في مبادرات تربوية محلية توظّف الفن كمدخل تعليمي ذي أثر ملموس. ومن ذلك مبادرة المعلمة عبير حامد في مدرسة بنات عين يبرود الثانوية (قرب رام الله)، حيث اعتمدت توظيف خبراتها ومواهبها الفنية في تدريس مواد الاجتماعيات، إلى جانب مساهمات في التربية الفنية والبدنية. وتمتلك المعلمة خلفية أكاديمية متخصصة؛ إذ تحمل درجة البكالوريوس في العلوم السياسية والماجستير في التاريخ من جامعة بيرزيت، وقد انعكس ذلك على قدرتها على بناء مشاريع تعليمية تتجاوز حدود الحصة التقليدية إلى خبرات غنية متعددة الأبعاد.

وتذكر حامد أنها خلال سنوات عملها نفّذت مشاريع وأنشطة مدرسية منهجية ولا منهجية، ومسابقات ثقافية وترفيهية، وأسهمت في إحياء مناسبات عامة، وشاركت في تنظيم معارض داخل المدرسة وخارجها؛ وكانت في جميع تلك المسارات توظف الفن بوصفه أداة لتنشيط التعلم وتعميق الخبرة. ومن أبرز المشاريع التي أشارت إليها: مشروع المواطنة، ومشروع توثيق الشخصيات الفلسطينية، ومسابقة مسرح الدمى، والإذاعة المدرسية بفقراتها الأدبية والثقافية والترويحية.

وتقوم المبادرة كذلك على توظيف خامات من البيئة الطبيعية، واستخدام أدوات متاحة من البيئة المحيطة، بما في ذلك مسرح الدمى، وفقرات الإذاعة المدرسية، وحتى توظيف “المطبخ” كفضاء للتعلم التطبيقي. وتؤكد حامد أن جوهر المبادرة ينطلق من التركيز على “منهجية التعلّم” لا “مجرد التعليم”؛ لأن مفهوم التعلّم أوسع وأشمل، ويمنح المتعلم دورًا أكبر، ويعزز الرغبة الداخلية في التعلم، ويرفع مستوى الاندماج والمساهمة. وتعمل المعلمة حاليًا على توسيع أثر التجربة عبر نقلها إلى مدارس أخرى داخل فلسطين وخارجها، كما تُذكر ضمن سياق تقدير جهودها ترشيحها عن الضفة الغربية في برنامج “ملكة المسؤولية الاجتماعية” في الوطن العربي.

طرق توظيف الفن في التعليم

تسهم التربية الفنية في تنمية مهارات المتعلمين وقدرتهم على الربط بين العناصر المختلفة، وتعزيز الانتباه والتركيز والإدراك أثناء أداء المهام. وتمتاز الدروس القائمة على الفن بأنها تُبنى تدريجيًا وفق قدرات المتعلمين، وتتيح ملاحظة التطور بصورة مباشرة، بما يعزز التغذية الراجعة الفورية، ويحفز روح التنافس الإيجابي، ويشجع على بذل الجهد لتطوير المهارات والتميّز فيها. ومن أبرز الطرائق التي يمكن من خلالها توظيف الفن في التعليم ما يأتي:

التعليم القائم على الصنع (Maker Education): يقوم على إنتاج الأشياء وتطويرها اعتمادًا على خامات متاحة يمكن استثمارها في صناعة منتجات مفيدة، بما يرسّخ التعلم عبر الممارسة والتجريب وحل المشكلات.

التعلّم القائم على التصميم (Design-Based Learning): يركز على تنمية الخيال والقدرة على التصور، عبر ابتكار نماذج وأفكار قابلة للتطبيق بصورة فردية أو جماعية، بما يعزز التفكير التصميمي وبناء الحلول.

التعلّم القائم على الدمج بين العلوم (STEAM): يعتمد على تكامل العلوم والتكنولوجيا والهندسة والفن والرياضيات، عبر توظيف المعارف والمهارات في مجال لدعم النمو في مجال آخر، إذ تتقاطع هذه التخصصات في مساحات مشتركة لا يمكن فصلها في كثير من التطبيقات الواقعية.

اللوحات والأعمال الفنية: تتجاوز الصور النمطية في الكتب المدرسية إلى أعمال ورسومات ودمى ومجسمات أقرب إلى ذائقة المتعلم وميوله، وتكسبه مهارات التصور والتحليل وربط العناصر وتحويل الأفكار إلى منتجات ملموسة.

اللوحات الحية (التمثيل ولعب الأدوار): تُعد من أكثر الأساليب الفنية تفضيلًا لدى المتعلمين، لما لها من أثر في تنمية المهارات الاجتماعية واللغوية والثقافية، وإبراز المواهب الفردية، وتحويل المعرفة من مستوى نظري إلى خبرة حسية أعمق أثرًا وأطول بقاءً.

الخطابة والإلقاء والقصيد: تُسهم في تطوير الكفايات اللغوية والمعرفية، وتنمية مهارات التعبير والتواصل، وتعميق التأمل والفهم، وتعزيز بناء شخصية متزنة قادرة على مخاطبة الآخرين بثقة واتزان.

الوسائط المتعددة: مثل الصوت والصورة والعروض التقديمية، وتقوم على إسناد جزء من تقديم الدرس لمتعلم واحد أو مجموعة من المتعلمين لعرض موضوع محدد ومناقشته مع زملائهم باستخدام وسائط الميديا المناسبة، بما يعزز التعلم التشاركي ويعمّق الفهم عبر الإنتاج والعرض والحوار.
مقالات ذات صلة
تعريف الوسيلة التعليمية ، ما هي الوسيلة التعليمية ؟
مع التطور المتسارع في نظريات التعليم والتعلّم، وتنوّع الطرائق والاستراتيجيات التي يوظ
توظيف الألعاب التعليمية ( Educational Games) في تدريس اللغة العربية
تعتبر الألعاب التربوية من الاتجاهات التربوية الحديثة في تدريس اللغة العربية باعتبارها تركز على
استراتيجية التعلم التعاوني
بالرغم من ان الانسان لديه قدرات وصفات تميزه عن المخلوقات الاخرى , الا