وعلى هذا الأساس، لا تكون هندسة الموقع شأنا شكليا معزولا عن الحقيقة التعليمية، بل تكون من صميمها؛ لأن حسن البناء هو الذي يقرر كيف يرى المتعلم مادته، وكيف يتدرج في فهمها، وكيف يعبر من مدخل إلى آخر من غير انقطاع ولا تشويش. وقبل أن يعلن التعلم ثماره، تكون هندسة الموقع قد كشفت قيمته؛ إذ إن ترتيب الصفحات، وتوازن العناصر، ووضوح المقاصد، وسلامة مسارات التنقل، كل أولئك ليس زينة بصرية، وإنما هو شرط من شروط المعنى، وركن من أركان الفاعلية التعليمية نفسها (Ruffini, 2000).
ومن ثم فإن إدماج الويب في التعليم لا ينبغي أن يفهم على أنه نقل الدرس من اللوح إلى الشاشة فحسب، بل على أنه توسيع لحيز التعلم، وكسر لحدوده الزمنية والمكانية الضيقة. فحين يصبح المحتوى قابلا للرجوع، والمناقشة ممكنة بعد انقضاء الحصة، والمراجعة متاحة بحسب إيقاع المتعلم نفسه، ينتقل الطالب من حال الانتظار إلى حال المشاركة، ومن الارتهان للحظة التعليمية المفردة إلى إمكان بناء تعلم أكثر امتدادا ووعيا. وهنا لا يضاف الويب إلى التعليم إضافةً خارجية، بل يعاد به تشكيل الموقف التعليمي من داخله (Kandies & Stern, 1999).
غير أن اتساع الوصول لا يساوي، بالضرورة، قيام التعلم الذاتي؛ لأن هذا الأخير ليس حرية عابرة في التصفح، بل قدرة مركبة على القصد، والاختيار، والتنظيم، والمراقبة، والمراجعة. فالطالب لا يصير متعلما ذاتيا لمجرد أنه دخل إلى المنصة، وإنما يصير كذلك حين يجد في البيئة الرقمية ما يعينه على تحديد هدفه، وضبط خطته، ومتابعة تقدمه، وتصحيح مساره كلما احتاج إلى ذلك. ومن هنا، فالقيمة التربوية للموقع تتحدد بمقدار ما يوقظ في المتعلم حس المسؤولية عن تعلمه، لا بمقدار ما يقدمه له من مواد فحسب (Song & Hill, 2007).
وإذا كان التعلم الذاتي بناءً للذات قبل أن يكون جمعا للمعلومات، فإن الموقع التعليمي الحق هو الذي يربي في المتعلم إرادة التعلم، لا الذي يكتفي بأن يفتح له منافذ المعرفة. فالمتعلم الذي يخطط، ويختار، ويجرب، ويتحمل تبعة اختياره، إنما يتجاوز حدود الإنجاز المدرسي إلى تكوين أعمق، تتقوى فيه شخصيته المعرفية ويترسخ فيه معنى الاستقلال. ولهذا لا تقاس قيمة البيئة التعليمية بما تمنحه من محتوى جاهز فحسب، بل بما تبعثه في المتعلم من قدرة على أن يبدأ بنفسه، ويستمر بنفسه، ويصحح نفسه بنفسه (Gibbons, 2002).
ثم إن المهارات التي تقتضيها البيئات الرقمية لا تولد مكتملة، بل تنمو بالتدرج حتى تستحيل عادة راسخة. فالمتعلم يتعلم، مع التكرار، كيف يقرأ قراءة فاحصة، وكيف ينتقي المصدر الأوفق، وكيف يدير وقته، وكيف يطلب العون من غير أن يفقد زمام مسؤوليته. ومن هنا يغدو الموقع التعليمي، إذا أحسن بناؤه، مجالا لتكوين العادات الذهنية والسلوكية التي لا يستقيم التعلم المستقل إلا بها؛ لأن ما لا يتحول إلى ممارسة متكررة يظل معرفةً عابرة لا ترقى بصاحبها إلى التمكن الحقيقي (Roper, 2007).
وفي البيئات التي يعتورها الانقطاع أو الاضطراب، يزداد هذا المعنى ظهورا؛ إذ يتجلى الموقع التعليمي بوصفه جسرا لاستمرار التعلم، لكنه يكشف، في الآن نفسه، أن التقنية وحدها لا تنقذ العملية التعليمية ما لم تسندها بنية تحتية عادلة، وإمكانات وصول متكافئة، وجاهزية مؤسسية ترفع الحرج عن المتعلم والمعلم معا. وبذلك يتبين أن الموقع التعليمي ليس أداة محايدة تعمل في فراغ، بل هو جزء من سياق اجتماعي وتربوي أوسع، تتحدد فاعليته بمدى ما يتوافر له من شروط الإمكان والعدالة والتمكين (Shraim & Crompton, 2020).
وتبلغ المسألة ذروة معناها حين يغدو الموقع التعليمي موضعا لإعادة تشكيل علاقة الطالب بالمعرفة نفسها: فلا يعود مطلوبا منه أن يتلقى فقط، بل أن يطلب؛ ولا أن يكرر فقط، بل أن يفهم؛ ولا أن ينجز فقط، بل أن يراجع ويقوّم ويعيد بناء مساره. هنالك يتجاوز الموقع كونه واجهةً لعرض المادة، ليغدو مجالا لإنضاج العقل، وتهذيب الإرادة، وتكوين المتعلم الذي يتقدم نحو المعرفة بوعي واستقلال. وهذه هي القيمة التربوية الأعمق التي تتأكد حين يظهر أثر الموقع في تنمية مهارات التعلم الذاتي لدى الطلبة، بما يجعل البيئة الرقمية، إذا أحسن تصميمها، وسيطا في بناء الإنسان المتعلم، لا مجرد قناة في نقل المحتوى (أبو مويس وأبو الرب، 2024).
المصادر
أبو مويس، داود فوزي داود، و أبو الرب، عماد. (2024). فاعلية موقع تعليمي على شبكة الإنترنت في تنمية مهارات التعلم الذاتي لدى طلاب الصف الثامن الأساسي (رسالة ماجستير غير منشورة). الجامعة العربية الأمريكية - جنين، جنين. مسترجع من http//:search.mandumah.com/Record1559587/.
Gibbons, M. (2002). The Self-Directed Learning Handbook. San Francisco: Jossey-Bass.
Kandies, J., & Stern, M. B. (1999, February 28-March 4). Weaving the Web into the Classroom: An Evolution of Web Enhanced Instruction. Society for Information Technology & Teacher Education International Conference. Waynesville, NC, USA: Association for the Advancement of Computing in Education (AACE).
Roper, A. (2007). How Students Develop Online Learning Skills. EDUCAUSE QUARTERLY, 62-65.
Ruffini, M. F. (2000, April). Systematic Planning in the Design of an Educational Web Site. Educational Technology, 4(2), 58-64.
Shraim, K., & Crompton, H. (2020). The Use of Technology to Continue Learning in Palestine Disrupted with COVID-19. Asian Journal of Distance Education, 15(2), 1-20. Retrieved 23/4/2021, from: https://doi.org/10.5281/zenodo.4292589.
Song, L., & Hill, J. R. (2007). A Conceptual Model for Understanding Self-Directed Learning in Online Environments. Journal of Interactive Online Learning, 6(1), 27-42.



